الكلمات اتجمدت في حلقها. حست إن السقف بيقع عليها، والأرض بتتزلزل تحت رجليها. «بنتي؟ سمر؟ سمر الطيبة اللي مربياها على اللقمة الحلال؟ يستغلوني أنا؟ إزاي… إزاي يا بني أنت بتقول إيه؟!» الضابط بدأ يوضح لها بالراحة وهو بيفتح القاع المزدوج للشنطة قدام عينها بالمشرط: «الشنطة دي… مصنوعة بأسلوب محترف جدًا. القاع المزدوج ده محشوي بمادة “الهيروين” الخالص، بحوالي أربعة كيلو!
القيمة المادية للكمية دي تساوي ملايين. العصابة عارفة إنك ست كبيرة ومسنّة، وملامحك طيبة، وأي ظابط تفتيش هيبص عليكِ هيقول دي ست بركة ورايحة تزور أحفادها ومش هيشك فيكِ لحظة. هم كانوا بيستخدموكي كـ “كارت بلانش” أو كبش فداء عشان يعدوا الكمية دي من مطار القاهرة ويوصلوها بره!» ساعتها الحاجة فاطمة صرخت صرخة شقت الهدوء اللي في المكتب: «يا لهوي يا بنتي! يا خرابي يا ناس!
أنا كنت هروح السجــ,,ـــــن؟ أنا كنت ههرب سموم للعيال؟!» بدأت تلطم على خدودها بنحيب يقطع القلب. كانت المأساة مش بس إنها اتخدعت، المأساة إنها اكتشفت إن بنتها الوحيدة اللي كانت فاكراها حنينة وبتبرها، ضحت بيها وبسنين عمرها، واستخدمت طينتها وطيبتها كغطاء لعملية تهريب قذرة، بل والأدهى والأمر… إن بنتها محبوسة بعيد، والأحفاد الصغيرين مرميين عند جيران أو ناس مايعرفوهمش في دولة تانية! الضابط جاب لها كوباية مية وهداها: «اهدي يا حاجة… اهدي واشربي.
الحمد لله إن الجهاز كشف اللعبة هنا قبل ما تركبي الطيارة. عارفة لو كنتِ ركبتِ ووصلتِ هناك والشرطة اللي هناك قفشتك؟ كانت عقوبتك هتكون الإعدام أو السجــ,,ـــــن المؤبد، وماكانش حد هيصدق إنك ما تعرفيش حاجة لأن الشنطة معاكِ والأمانة معاكِ!» وإياد؟ العيال فين يا بني؟» «العيال تحت رعاية السلطات هناك، ودلائل الق. ضية دي هي اللي هتحدد مصيرهم. بس أنتِ لازم تتكلمي معانا دلوقتي بكل كلمة وكل تفصيلة: مين الواد اللي جابلك الشنطة في القليوبية؟
شكله إيه؟ جه الساعة كام؟ ونزل من عربية نوعها إيه؟» هنا بدأت الحاجة فاطمة تستجمع قواها المتهالكة. الأمومة والطيبة اتحولوا لجرح عميق، بس رغبتها في إنها تنقذ نفسها وتعرف طريق أحفادها خلتها تتكلم. «يا بني… الواد ده اسمه سيد. بييجي للبت بنتي في الإجازات، ولد طويل وأسمر، وعند علامة في وشه عند عينه الشمال.
جه عندي القليوبية يوم التلات اللي فات بالليل، وقاللي: (يا حاجة، سمر بنتك بتبعتلك السلام، وأدي التذكرة وأدي الشنطة دي.. الشنطة دي فيها هدايا وهي بتقولك حطي هدومك فوقيها وما تفتحيش القاع عشان الحاجات مترتبة بخطة معينة). وأنا يا بني من خيبتي وطيبتي صدقته! قلت ده صحاب بنتي وبيخدموها! واداني خمسمية جنيه وقاللي دي مصاريف السكة للتاكسي!
» الضابط كتب كل كلمة بسرعة على ورق التقرير، وبص لزميله: «عمم أوصاف الجاني فورًا، وراجع كاميرات المراقبة في الموقف اللي في القليوبية والقرية اللي قالت عليها الحاجة. هاتوا لي بيانات الواد “سيد” ده من أرشيف المسجلين خطر فورًا!» خلال أقل من نص ساعة، التحريات كانت شغالّة وزي النــ,,ـــــار في الهشيم.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.