أربع سنين من صحيان الفجر الباكر، ودعك السجاد، والوقفة بالساعات الطويلة قدام البوتاجاز في عز الحر، وبلع الإهانة والكلمات الجارحة بابتسامة مصطنعة عنوانها “حاضر يا أمي عشان خاطر معتز”.. كل ده يطلع في الآخر ملوش أي قيمة تذكر؟ يطلع إنها مجرد خدامة مضمونة، يساوموا بيها عشان يرضوا واحدة تانية حاطة رجل على رجل وما بتمدش إيدها في حاجة؟
! في اللحظة دي، ولا دمعة واحدة نزلت من عين أشجان. الدموع كانت قليلة أوي على حجم الوجع ده. حست ببرودة غريبة ومرعبة بتسري في أطرافها، وكأن الطيبة والجدعنة والأصول اللي عاشت بيهم مـ,ـاتوا في ثانية واحدة، وحل محلهم جمر مولع وصمت رهيب في قلبها. خرجت من البيت من غير ما حد يحس بوجودها، وقابلت حنان قدامها صدفة، ولأول مرة تلاحظ نظرات حنان وتريقتها اللى كانت بتاخدها زمان بحسن نية وهي بتقول منها بدلال بارد: ـ بقولك يا اشجان، انا عايزه صنيه كيكه بالبرتقال وشويه قراقيش، لحسن اللى كنتى عملاهم خلصوا، وانا بحب اصحى افطر حاجه خفيفه وقتها.
بصتلها وأنا ساكتة تماماً وكل اللي فات بيلف فى دماغى، وافتكرت مواقف إزاي مكنتش بشك أبداً في نياهم. بصتلها وقولت بنبرة هادية أوي.. هدوء يخوف، أهدى بكثير من المية اللي تحت التلج: ـ من عينيا يا حنان.. من عينيا يا حبيبتي، عيوني ليكي. حنان اتفاجئت من طريقة كلامي وسكوتي غير العادة، بس كعادتها ما ركزتِش كتير، مشيت وسابتني وهي رافعة راسها بغرور ومطمنة تماماً إن الشغالة المطيعة هتنزل على ملا وشها تتفنن لها في كيكة البرتقال والقراقيش.
أنا بقى كنت واقفة مكاني، حاسة إن الرؤية وضحت فجأة وبشكل قاطع، الغشاوة اللي كانت على عيني أربع سنين اتزاحت بالكامل ولم يتبقَ منها شيء. أربع سنين وأنا فاكرة إن الأدب وطاعة الأوامر وبوس الأيادي بيعمل قيمة واحترام، أتاري القيمة في الزمن ده ما بتاخدهاش غير اللي بتدوس على الكل بقلب بارد وميت! رجعت شقتي بهدوء.. ما بكيش، ولا صرخت، ولا كسرت حاجة بإيدي.
دخلت وقفت قدام مراية الصالة، بصيت لوشي اللي شحب من التعب والوقفة الطويلة في المطابخ، لإيديا اللي خششنها المساحيق والدعك المستمر، ولعيني اللي كان فيها طيبة أهلي اللي ربوني عليها. مسحت على وشي بيد ثابتة وقلت لنفسي بصوت واطي وصارم: “القديمة مـ,ـاتت يا أشجان.. من النهار ده، حق الأربع سنين دول هيرجع تالت ومتلت، وبنفس أسلوبهم البارد.
” نزلت بالليل، وكانت العيلة كلها ملمومة تحت في الصالة الكبيرة، معتز جوزي قاعد جنب أمه كالعادة، وحنان قاعدة حاطة رجل على رجل بتتصفح في تليفونها بكل برود، والحاجة أمه عمالة تشتكي من وجع ضهرها الوهمي. أول ما دخلت، حماتي بصت لي بطلب جاهز ومعتاد: “تعالي يا أشجان، شوفي الشاي واعملي حساب عمك وإخوات جوزك، وتلات كوبايات قهوة مظبوط لحنان ومعتز وجيهان.
” معتز بصلني بثقة مفرطة، فاكرني هجري بسرعة وأقول “حاضر يا أمي” زي كل يوم دون مناقشة. لكني وقفت في نص الصالة، حطيت إيدي في جنابي بثبات، وبصيت لحماتي بعين ثابتة ما فيهاش نقطة ضعف واحدة، وابتسمت ابتسامة باردة جداً وقلت: ـ معلش يا أمي.. أصل ضهري بيوجعني أوي النهاردة ومش قادرة أقف على رجلي خالص. ما تخلي جيهان تقوم تعمل الطلبات دي، ولا حنان وهي نازلة تقعد تاخد معاها الشاي والقهوة؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.