رجعت خطوة لورا.— خير؟ فيه إيه؟— الأستاذ أدهم بعتني أطمن إن حضرتك وصلتي البيت بسلام. عقدت حواجبي.— وأنا طلبت منه يطمن عليّا؟الراجل سكت لحظة، وبعدين قال: — حضرتك عندك حق. أنا آسف لو ضايقتك. هبلغ الأستاذ أدهم إنك وصلتي. لف عشان يمشي، لكني ناديت عليه: — استنى!وقف وبصلي.— هو الأستاذ أدهم بيعمل كده مع كل الناس اللي بتقابلهم صدفة؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: — لأ يا فندم.— أمال ليه أنا؟رد بكل بساطة: — دي حاجة حضرتك تسأليه فيها بنفسك. ركب عربيته ومشي، وسابني واقفة قدام العمارة وأنا بفكر في كلامه. تاني يوم، قررت أواجه أدهم. دخلت مكتبه من غير ما أستنى السكرتيرة تخلص كلامها، ولقيته قاعد بيقرأ ملف. رفع عينيه، ولما شافني قال: — صباح الخير يا مريم.
خير؟قلتله من غير مقدمات: — حضرتك بعتلي حراسة؟ حط الملف على المكتب.— مش حراسة. واحد من رجالي كان معدّي في المنطقة، وطلبت منه يطمن عليكي.— يعني إيه معدّي في المنطقة؟! هو أنا بقيت مشروع أمني؟أدهم سند ضهره للكرسي وقال: — إنتِ بتكبّري الموضوع.— لأ، أنا شايفة إنك بتتدخل في حياتي أكتر من اللازم. فضل ساكت شوية، وبعدها قال: — عندك حق. استغربت.
كنت متوقعة إنه يتعصب أو يرد عليّا بطريقة مستفزة، لكنه كمل: — مش هبعت حد تاني من غير ما أبلغك، ومش هتكرر. هديت شوية، لكن قبل ما أخرج، لمحت صورة صغيرة على مكتبه. كانت صورة لنفس الست اللي شفتها في الصورة القديمة على الإنترنت. ست جميلة، عينيها فيها حزن غريب، وشعرها أسود طويل.
من غير ما أقصد، سألت: — مين الست دي؟أدهم بص للصورة، وملامحه اتغيرت فجأة.— أمي. حسيت إني دخلت في منطقة مش من حقي أدخلها.— أنا آسفة، ماكنتش أقصد أتدخل. أخد الصورة وحطها في الدرج.— مـ,ـاتت وأنا عندي ستاشر سنة. سكت شوية، وبعدين كمل: — ومن يومها، وأنا بتعلم إن الثقة في الناس ممكن تكلفك أكتر مما تتخيلي. ماعرفتش أرد. كان فيه وجع واضح في صوته، وجع حاول يخبيه بسرعة.
قلت بهدوء: — مش كل الناس وحشة يا أدهم. رفع عينيه ليا.— وإنتِ عرفتي منين؟ابتسمت ابتسامة حزينة.— عشان لو كل الناس وحشة، كنت زماني بقيت زيهم. فضل باصصلي، وكأن جملتي لمست حاجة جواه. ولأول مرة، حسيت إن الراجل اللي الناس كلها بتخاف منه، مش مجرد رجل أعمال متسلط زي ما كنت متخيلة.
كان فيه إنسان مستخبي ورا البرود ده. إنسان اتوجع، واتعلم يقفل قلبه قبل ما حد يقدر يوجعه تاني. لكن ده ماكانش معناه إني هسمحله يدخل حياتي بسهولة.### البنت اللي ضحكت عليه بعد شهر تقريبًا، بدأت أتأقلم مع شغلي الجديد. كنت بروح الشركة كل يوم، أتعلم حاجات جديدة، وأحاول أثبت لنفسي قبل أي حد إني أقدر أنجح. يوسف كمان بدأ يتحسن مع العلاج الطبيعي، وبقى يقدر يقف بمساعدة بسيطة.
كل ما كان بيعمل خطوة جديدة، كنت بحس إن الدنيا أخيرًا بتعوضنا عن اللي فات. أما أدهم، فكان بيظهر في حياتي بطريقة غريبة. مرة ألاقيه في الكافيتريا اللي تحت الشركة، ومرة يطلب مني أراجع معاه شكوى عميل، ومرة يمر على القسم ويسأل عن سير الشغل، مع إنه عنده مئات الموظفين. وفي كل مرة، كان بيحاول يفتح معايا كلام. وأنا كنت بتعامل معاه بطبيعتي، من غير خوف ولا تملق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.