الدفتر القديم

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

وفاة؟ خرجت الكلمة من فمي وكأن أحدًا انتزعها من حنجرتي بالقوة. أشار مدير المصرف إلى رجل الحماية عند الباب، ثم اصطحبني إلى مكتب داخلي تحيط به نوافذ زجاجية معتمة. لم أستطع التوقف عن النظر إلى دفتر التوفير. كان الطين قد جف على أطرافه، وما زالت تفوح منه رائحة المقبرة... رائحة التراب الرطب والزهور المبتلة والوداع.

قال آنسة مريم، هذا الحساب مجمد منذ تسعة عشر عامًا بسبب محاولة سحب احتيالية. حدقت فيه. لا أفهم. فتح ملفًا إلكترونيًا على الحاسوب. ظهر اسمي الكامل على الشاشة. ثم تاريخ ميلادي. ثم عبارة جعلتني أشعر وكأنني انفصلت عن جسدي تمامًا. حالة المستفيدة متوفاة. وضعت يدي على صدري. لكنني أقف أمامكم الآن. هز رأسه ببطء. لهذا السبب استدعينا الحماية. ولهذا السبب أيضًا تم إبلاغ قسم الجرائم المالية والجهات المختصة.

شخص ما سجل شهادة وفاة باسمك عندما كان عمرك ثماني سنوات. ثماني سنوات. العمر نفسه الذي أخرجني فيه أبي من المدرسة دون أن يخبر أحدًا. العمر نفسه الذي توقف فيه عن اصطحابي إلى الطبيب. العمر نفسه الذي بدأت فيه جدتي أمينة ترافقني بنفسها إلى باب المدرسة وتبقى تراقب الشارع وكأنها تنتظر شيئًا مخيفًا. سألته من فعل ذلك؟ رغم أنني كنت أعرف الجواب مسبقًا. تنهد المدير بعمق. ثم قال سعد محمود.

شعرت وكأن ضربة هائلة سقطت فوق رأسي دون أن يلمسني أحد. خارج النافذة كانت الحافلات تمر. وباعة الشاي ينادون على بضاعتهم. والنساء يحملن أكياس التسوق. والناس يسرعون إلى أعمالهم. أما داخلي... فكان طفولتي كلها تنقسم إلى نصفين. تابع المدير جدتك اعترضت رسميًا على هذا الإجراء. كانت تأتي إلى هنا باستمرار وهي تحمل هذا الدفتر.

لم تكن تريد إثارة ضجة كبيرة، لكنها تركت تعليمات صارمة. قالت إنه إذا حضرتِ يومًا وأثبتِّ هويتك، فيجب إبلاغ السلطات فورًا. سألته وماذا عن الأموال؟ نظر إلى الشاشة. ثم خفض صوته. الأمر لا يتعلق بمدخرات بسيطة فقط. وقبل أن يكمل جملته، انفتح الباب. دخل شرطيان. وبرفقتهما امرأة ذات شعر مربوط إلى الخلف، ترتدي سترة داكنة وتحمل نظرة حادة وواثقة. قدمت نفسها المحققة ليلى من الادعاء العام. ضممت الدفتر بقوة إلى صدري.

أنا لم أفعل شيئًا. قالت بلطف نعلم ذلك. لكننا بحاجة إلى إفادة رسمية منك. جدتك قدمت بلاغًا موثقًا قبل ثلاثة أشهر. ثلاثة أشهر. في الوقت الذي كانت فيه ما تزال تجلس قرب الفرن الصغير وتخبز الكليجة والحلويات التي تبيعها في السوق الشعبي. في الوقت الذي كانت تلف فيه كتفيها بالشال البني وتقول لي إن الحياة صعبة، لكنها لا تخذل أصحاب الحق.

همست كانت مريضة... بالكاد تستطيع المشي. قالت المحققة ومع ذلك جاءت. قالت إنها لم تعد تملك الكثير من الوقت. ناولوني كأس ماء. لكن حلقي كان مشدودًا أكثر من أن يسمح لي بالشرب. وخلال الإفادة بدأت الحقيقة تتسرب أمامي ببطء. أمي لم تتركني كما كان أبي يردد طوال حياتي. أمي، إلهام، توفيت في حادث حافلة مأساوي عندما كان عمري عامين فقط، قرب أحد التقاطعات الرئيسية في المدينة.

كانت تعمل في معمل للخياطة. وكان لديها تأمين قانوني بسيط. ذلك النوع من التأمين الذي لا يتحدث عنه الناس كثيرًا. لكنه قادر على تغيير مستقبل طفلة كاملة. كل الأموال كانت باسمي. لم تكن ثروة خيالية. لكنها كانت كافية لتأمين الدراسة والسكن والعلاج ومستقبل آمن. وقد عُينت جدتي أمينة وصية قانونية عليّ حتى أبلغ سن الرشد.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
اا

العالم الاخر ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
96مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بنت اختى روايات

بنت اختى

بنت أخويا كانت بتصحى كل يوم قبل الفجر تنظف البيت كله افتكرتها بتحب تساعد مراتي، لحد ما مرض…

العالم الاخر 0.0 16 دقائق
سحر اسود روايات

سحر اسود

عملت سحر اسود لابن ضرتي ومكملش شهرين ومات ، و من بعد موته بشهر فتحة الصرة عندي بقت تطلع حا…

العالم الاخر 0.0 11 دقائق
الشيخ والعروسه روايات

الشيخ والعروسه

الشيخ اتجوز بنت روسية جميلة، لكن في يوم فرحهم بالذات حط لها شرط غريب جدًا لازم تخلفي طفل ك…

العالم الاخر 0.0 7 دقائق