الدفتر القديم

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

لكنني لم أعد أخاف الكلمات. في ذلك اليوم، وقبل أن أعود إلى غرفتي، ذهبت إلى المقبرة مرة أخرى. لم أشترِ باقة زهور باهظة الثمن. اشتريت باقة بسيطة من الزهور البيضاء والصفراء من بائع يقف على جانب الطريق. كما اشتريت قطعة كليجة ساخنة ومشروبًا حلوًا. لأن جدتي أمينة كانت تقول دائمًا الموتى لا يأكلون، لكن أرواحهم تفرح عندما يتذكر الناس الأشياء التي كانوا يحبونها. كان التراب فوق قبرها ما يزال جديدًا.

ركعت في المكان نفسه الذي حفرت فيه بيدي الليلة السابقة. أخرجت صورة أمي التي عثرت عليها بين أوراق أبي. وضعتها داخل غلاف شفاف لحمايتها. ثم أسندتها برفق إلى الصليب الخشبي الصغير الموجود عند القبر. وهمست لقد نجحتِ يا جدتي. عثرت عليها. وعثرت على الحقيقة. مر الهواء بين الزهور. وللحظة قصيرة جدًا، شعرت وكأنني أسمع صوتها. صوتها المتعب الدافئ.

وهي تطلب مني أن أرتب شعري. وألا أخرج من المنزل دون معطف عندما يكون الجو باردًا. وتذكرني بما كانت تقوله دائمًا المرأة قد تشعر بالخوف الشديد... لكنها تستطيع أن تبقى واقفة. لم أكن أعرف بالضبط كم يوجد من المال في ذلك الحساب. مدير المصرف أخبرني بالرقم النهائي بعد عدة أيام. وكان رقمًا احتجت وقتًا طويلًا لأستوعبه. فبعد سنوات طويلة من الفوائد المتراكمة خلال فترة التجميد، أصبح المبلغ كافيًا لسداد جميع ديوني. وكافيًا لإكمال دراستي العليا.

وكافيًا لشراء شقة صغيرة بعيدًا عن أي مكان يمكن أن يصل إليه سعد. لكن أول شيء فعلته لم يكن شراء أي شيء لنفسي. أول شيء فعلته كان طلب صناعة شاهد قبر يليق بجدتي. شاهد بسيط ومحترم. حُفر عليه أمينة محمود أم لم تلدني... لكنها كانت أمي. وصية. وامرأة أوفت بكل وعد قطعته. وطلبت أن تُنقش أسفل اسمها عبارة قصيرة لم يتمكنوا من دفن الحقيقة.

في اليوم الذي وضعوا فيه شاهد القبر، استيقظت المدينة على شمس صافية. ومن أعلى المقبرة كانت البيوت المتلاصقة تبدو كأنها جزء من لوحة كبيرة نابضة بالحياة. وقفت هناك طويلًا. أفكر في السنوات التسع عشرة التي حملت فيها جدتي هذا السر وحدها. تسع عشرة سنة من الخوف. وتسع عشرة سنة من المقاومة. وتسع عشرة سنة من الصمت. من دون تصفيق. ومن دون تكريم. ومن دون أن يعرف أحد ما كانت تفعله من أجلي.

أما أنا... فقد توقفت أخيرًا عن حمل أخطاء أبي فوق كتفي. وعندما خرجت من بوابة المقبرة، كان دفتر التوفير الأزرق داخل حقيبتي. لم يعد تفوح منه رائحة الطين الرطب. بل رائحة الورق القديم. ورائحة مطبخ جدتي. ورائحة يديها. وعند زاوية الشارع، كانت طفلة صغيرة تطلب من أمها قطعة حلوى. ابتسمت الأم. واشترتها لها. ثم طلبت منها أن تشاركها مع أخيها الصغير. ابتسمت دون أن أشعر. ولأول مرة في حياتي كلها...

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
اا

العالم الاخر ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
96مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بنت اختى روايات

بنت اختى

بنت أخويا كانت بتصحى كل يوم قبل الفجر تنظف البيت كله افتكرتها بتحب تساعد مراتي، لحد ما مرض…

العالم الاخر 0.0 16 دقائق
سحر اسود روايات

سحر اسود

عملت سحر اسود لابن ضرتي ومكملش شهرين ومات ، و من بعد موته بشهر فتحة الصرة عندي بقت تطلع حا…

العالم الاخر 0.0 11 دقائق
الشيخ والعروسه روايات

الشيخ والعروسه

الشيخ اتجوز بنت روسية جميلة، لكن في يوم فرحهم بالذات حط لها شرط غريب جدًا لازم تخلفي طفل ك…

العالم الاخر 0.0 7 دقائق