طوق نجاه

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

صلّ الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
​جلس حسام يحدق في العنوان الذي كتبه بخط يده على المنديل الثاني. كانت أصابعه ترتجف قليلاً، ونظراته تنقلت بين الكلمات التي دوّنها وبين عمر، ذلك الطفل النحيف الذي كان في هذه اللحظة يمسح فمه بطرف كمه بكل براءة، غير مدرك لحجم القنبلة التي فجّرها خاله في الهاتف قبل ثوانٍ.

​ياسين، بذكاء الأطفال ونفاذ بصيرتهم، لاحظ التغير المفاجئ على وجه أبيه. انقباضة الجبين، ونبرة الصمت الثقيل التي حلت على الترابيزة.​"بابا؟" سأل ياسين بصوت خفيض، "فيه إيه؟ الخال قالك حاجة ضايقتك؟"
​حسام بلع ريقه، وعاد بموبايله إلى جيبه بسرعة، ثم ابتسم ابتسامة تصنع فيها الهدوء وقال: "لا يا حبيبي، مفيش حاجة خالص.

عمك طارق جاي في طريقه، وقال إنه هيمشي من شغله بدري علشان يجي ياخد عمر."
​لكن الحقيقة كانت أبعد ما تكون عن هذا الهدوء.

​ما قاله طارق لحسام في السطور الأخيرة من المكالمة لم يكن مجرد رجاء من رجل تعب من الفقر، بل كان سرًا مكتومًا منذ ثمانية أشهر. حين سأله حسام: "هو عمر مابيروحش مدرسته ليه يا أستاذ طارق؟

"، لم يأتِ الجواب عن الضائقة المالية، بل جاء صوت طارق وهو يخنق بكاءه: "عمر أمه ماماتتش بمو. ت ربنا يا أستاذ حسام... أختي ماتت بسبب الإهمال في المستشفى بعد ما اتنصب عليها في ورثها، ومن ساعتها والناس اللي نصبوا عليها بيدوّرو على الولد علشان ياخدوا منه التوكيل والإعلام الشرعي اللي أمه شالته معاه قبل ما تمو. ت.

.. أنا مش سايب عمر في الشارع براحتي، أنا بخبيه!"
​الكلمات كانت تتردد في ذهن حسام كالصاعقة. الطفل ليس مجرد مشرد أو جائع، إنه ضحية جريمة وسرقة ونفوذ، يهرب من بطش كبار لا يرحمون، وخاله المسكين يحاول حمايته بطريقة بدائية جرحت كرامة الولد وجعلته يقتات من سلة القمامة.

​تطلع حسام في وجه عمر. العينان الناعستان، والخدان الغائران، واليدان اللتان تمسكان بكوب الليمونادة كأنهما تمسكان بآخر طوق نجاة.​"عمر..." قال حسام بهدوء وهو يميل على الترابيزة، "إنت شاطر في المدرسة؟

"
​عمر رفع عينيه، ولمعت فيهما شرارة قديمة، ذابلة لكنها لم تمت: "كنت طلعت الثاني على المدرسة في سنة تالتة ابتدائي... بس أبلة مرفت قالتلي إني شاطر في الحساب قوي."
​ياسين ابتسم وقال بفرط حماس: "جد؟ أنا كمان بحب الحساب! إنت تعرف جدول ض. رب التسعة؟"
​عمر هز رأسه بسرعة كأنه يثبت وجوده: "حافظه كله! تسعة في تمانية بتنين وسبعين، وتسعة في تسعة بـ واحد وتمانين!"

​حسام ابتسم ابتسامة حقيقية هذه المرة. الطفل ذكي، مشحون بالقدرة على التعلم، لكنه دهس تحت أقدام الظروف.​"طب إيه رأيك يا عمر..." قال حسام بصوت دافئ، "لحد ما عمك طارق يوصل، نقوم نشتريلك طقم هدوم نضيف؟ ونغير الجزمة دي علشان نعرف نمشي براحتنا؟

"
​عمر انكمش على نفسه فورًا، ورجعت نظرة الخوف والكسوف تسيطر عليه: "لا... لا يا عمو، شكراً. خالو هيزعل مني لو خدت حاجة من حد."
​حسام طبطب على إيد الولد ببطء وقال: "خالك مش هيزعل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
اا

العالم الاخر ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
96مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بنت اختى روايات

بنت اختى

بنت أخويا كانت بتصحى كل يوم قبل الفجر تنظف البيت كله افتكرتها بتحب تساعد مراتي، لحد ما مرض…

العالم الاخر 0.0 16 دقائق
سحر اسود روايات

سحر اسود

عملت سحر اسود لابن ضرتي ومكملش شهرين ومات ، و من بعد موته بشهر فتحة الصرة عندي بقت تطلع حا…

العالم الاخر 0.0 11 دقائق
الشيخ والعروسه روايات

الشيخ والعروسه

الشيخ اتجوز بنت روسية جميلة، لكن في يوم فرحهم بالذات حط لها شرط غريب جدًا لازم تخلفي طفل ك…

العالم الاخر 0.0 7 دقائق