. شهادة الميلاد، وقسيمة الجواز، وصور البطايق. الموظفة خدت الورق، وبدأت تفرز. فجأة، الابتسامة اختفت من على وشها.. ملامحها اتصلبت. مسكت شهادة الميلاد وبقت تبص لها بتركيز غريب، وبعدين جابت قسيمة الجواز وبقت تقلبها يمين وشمال، وترفعها في النور.. وبقت تبصلي بشك مريب ونظرات غامضة خوفتني. أنا قلقت، قولت لها خير يا أستاذة؟ فيه حاجة ناقصة في الورق؟ الموظفة بلعت ريقها، وبصتلي وحاولت تبتسم ب لطف مصطنع وقالتلي بصوت هادي لا أبداً يا مدام.
. بس السيستم هنج معايا شوية، هروح أراجع البيانات من الدفتر الرئيسي في المكتب اللي جمبنا.. ارتاحي أنتِ بس واشربي بؤ مية. قعدت.. دقيقة.. اتنين.. عشرة.. والوقت بيمر كأنه سنين. أدم بدأ يزهق ويمسك في إيدي، وأنا قلبي بدأ يدق بسرعة من غير سبب. ليه غابت كل ده؟ وفجأة.. الباب اتفتح. بس مش الموظفة اللي دخلت لوحدها. دخل راجل طويل، لابس بدلة ميري، وورا اتنين عساكر.
. وبالمعنى الأصح البوليس! الموظفة كانت واقفة وراهم، وشاورت عليا بصباعها وهي بتقول هي دي يا حضرة الظابط.. هي دي الست اللي معاها الورق! أنا اتسمرت مكاني. الدم هرب من عروقي، ووقفت بصدمة وذهول وأنا بضم أدم لحضني وبسأل بصوت متقطع فيه إيه؟ أنتوا مين؟ وبتشاوروا عليا كدة ليه؟! أنا عملت إيه؟
الظابط قرب مني، ملامحه كانت حادة وصارمة جداً، وبصلي بنظرة خلت ركبي تخبط في بعضها، وقال بلهجة جافة وصادمة فيه إن جيلنا بلاغ من الموظفة هنا.. إن كل الأوراق اللي أنتِ شايلاها دي، من شهادة ميلاد الولد لقسيمة الجواز.. كلها أوراق مزورة تزوير كلي! اتفضلي معانا على القسم من غير شوشرة. في اللحظة دي، حسيت الأرض بتتهز من تحتي وأنا مش مستوعبة اللي بسمعه.. عقلي وقف كلياً... بس الصدمة دي مكنتش النهاية..
لأن اللي عرفته بعدها كان أسوء وأبشع بكتير من مجرد ورق مزور!!!!!!! شريط حياتي كله مر قدام عيني في لحظة.. العساكر حواليا، والناس في المدرسة بتتفرج، وأدم ابني بيعيط بهستيريا وماسك في الجلابية بتاعتي وهو مرعوب من شكل الظابط والعساكر. أنا مكنتش حاسة برجلي، كنت ماشية زي الآلة، الدموع نازلة من عيني شلالات ومش قادرة حتى أدافع عن نفسي.. أقول إيه؟ أقولهم جوزي حبيبي هو اللي عمل كدة؟
جوزي اللي كان بيخاف عليا من الهوا؟ وصلنا القسم، رعب حقيقي مشفتوش حتى في الأفلام. قعدوني على كرسي قدام مكتب رئيس المباحث، وأدم نايم على رجلي من كتر العياط والخوف. الظابط حط الدوسيه الكحلي على المكتب وبصلي بنظرة كلها شك واحتقار وقالي بقى أنتِ يا مدام.. جاية تقدمي لابنك ببطاقة مزورة، وقسيمة جواز ملوش وجود في السجلات، وشهادة ميلاد مضروبة بالكمبيوتر ومختومة بختم نسر مزيف؟ أنتِ عارفة عقوبة التزوير دي إيه؟
وعارفة إنك كدة بتنسبي طفل لشخص ممكن ميكونش أبوه أصلاً؟ الكلام نزل عليا زي الصاعقة، حسيت بصداع رهيب، وصرخت بدموع محبوسة والله العظيم ما أعرف حاجة يا فندم! أنا متجوزة طارق من سبع سنين، كتبنا الكتاب في بيتنا قدام بابا الله يرحمه والمأذون جه والناس كلها شافت.. أنا مش مجرمة، أنا ضحية.. طارق جوزي هو اللي كان بيعمل كل الورق ده! الظابط سكت شوية، كأنه بيقيس كلامي، وبعدين قالي طارق مين؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.