كل ما كان بيعمل خطوة جديدة، كنت بحس إن الدنيا أخيرًا بتعوضنا عن اللي فات. أما أدهم، فكان بيظهر في حياتي بطريقة غريبة. مرة ألاقيه في الكافيتريا اللي تحت الشركة، ومرة يطلب مني أراجع معاه شكوى عميل، ومرة يمر على القسم ويسأل عن سير الشغل، مع إنه عنده مئات الموظفين. وفي كل مرة، كان بيحاول يفتح معايا كلام. وأنا كنت بتعامل معاه بطبيعتي، من غير خوف ولا تملق.
في يوم، كنت قاعدة في استراحة الموظفين وباكل سندوتش جبنة، لما لقيته داخل. بص للسندوتش، وبعدين بصلي.— ده غداكي؟رفعت السندوتش قدامه.— أيوه. عندك اعتراض؟— لأ، بس كنت فاكر إنك هتطلبي حاجة أحسن. ضحكت.— حضرتك فاكرني جاية الشركة عشان أتغدى؟ أنا جاية أشتغل يا باشا. قعد قصادي وقال: — على فكرة، إنتِ بتقولي كلمة يا باشا بطريقة مستفزة جدًا.— وأنا على فكرة، مش بقولها غير لما أحب أستفز اللي قدامي. ابتسم، وبعدين طلب من العامل قهوة.
فضلنا نتكلم عن الشغل، وعن يوسف، وعن أحلامي اللي كنت مأجلاها بسبب الظروف. لما سألني نفسي أعمل إيه لو بقى معايا فلوس كتير، ضحكت وقلت: — أول حاجة هجيب شقة فيها أسانسير، عشان مش كل يوم أطلع تلات أدوار وأنا شايلة طلبات البيت. ضحك من قلبه. ضحكة حقيقية، مش الابتسامة الباردة اللي بيظهرها قدام الناس. وبعدين سألني: — وبعدين؟
— هفتح محل حلويات صغير. — حلويات؟— أيوه. أنا بحب أعمل الكيك والبسكويت، بس عمري ما قدرت أبدأ مشروع عشان مفيش رأس مال. بصلي باهتمام.— واسم المحل هيكون إيه؟فكرت لحظة، وبعدين قلت: — سكر زيادة. ضحك تاني.— اسم مناسب ليكي. ضيقت عيني. — تقصد إيه؟— أقصد إنك بتخلي أي مكان تدخليه فيه دوشة زيادة. خبطته بخفة على كتفه بمجلة كانت على الترابيزة.— قليل الأدب!وفجأة، سكتنا إحنا الاتنين. لأول مرة، حسيت إن وجوده مش مخيف.
حسيت إني بتكلم مع راجل عادي، بيضحك وبيهزر، مش الشخص اللي المدينة كلها بتخاف منه. أدهم بصلي وقال بهدوء: — مريم، ينفع أسألك سؤال؟— حسب السؤال.— إنتِ ليه مش بتخافي مني؟فكرت شوية، وبعدين قلت: — أنا بخاف من حاجات كتير. بخاف على أخويا، وبخاف من الفقر، وبخاف أصحى في يوم ألاقي نفسي مش قادرة أساعده. لكن إنت؟ أنا معرفكش كفاية عشان أخاف منك، ومعرفكش كفاية عشان أثق فيك.
اختفت ابتسامته. وبعد لحظة، هز راسه ببطء.— إجابة عادلة. كنت هقوم، لكنه قال: — طب لو عايزك تعرفيني أكتر؟بصيتله باستغراب.— ليه؟اتردد لأول مرة من ساعة ما عرفته. وبعدين قال: — عشان أنا بقيت مستني أشوفك كل يوم. قلبي دق بسرعة، لكني حاولت أبان طبيعية.— يمكن عشان حضرتك مشغول زيادة عن اللزوم ومحتاج إجازة.
ابتسم، لكنه ما ضحكش.— ممكن. بس مش دي الإجابة الحقيقية. بصلي مباشرة وقال: — أنا معجب بيكي يا مريم. حسيت إن الكلام وقف في زوري. كنت متوقعة حاجات كتير، لكن مش دي. أدهم المرّاغي، اللي يقدر يتعرف على أي بنت في البلد، بيقولي إنه معجب بيا أنا؟البنت اللي كانت بتقف في الكافيه وتسمع تعليقات الناس على جسمها؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.