لكن بدل ما الأبواب تتفتح على طول، قائد الطيارة أعلن إن فيه انتظار بسيط لحين استكمال الإجراءات المعتادة. بعد دقائق، ظهر اتنين من أفراد الأمن ومعاهم موظف من إدارة المطار. اتجهوا ناحية نادية. واحد منهم قال
مدام نادية عبدالسلام؟وقفت وهي بتحاول تثبت صوتها.
أيوه، أنا. قال
مطلوب من حضرتك تيجي معانا علشان نراجع بعض البيانات المتعلقة ببلاغ مالي. نادية شهقت وقالت
بلاغ مالي إيه؟ أنا معملتش حاجة!الرجل رد بهدوء
حضرتك من حقك تعرفي تفاصيل الإجراء من الجهة المختصة، وإحنا موجودين لتنفيذ التعليمات فقط.
نادية بصت للركاب حواليها، وبعدها عينيها جت في عيني. لثواني، افتكرت إنها هتصرخ فيا أو تتهمني من جديد، لكنها قالت جملة واحدة. ادعيلي يا مريم. ما عرفتش أرد. مشيت معاهم بهدوء، والشنطة في إيدها. ولما اختفت من باب الطيارة، حسيت بمزيج غريب من الراحة والشفقة.
كنت متضايقة منها، آه، لكنها في النهاية إنسانة، ومش عارفة إيه اللي مستنيها بره. سعاد مسكت إيدي وقالت
يلا بينا يا مريم. بنتك مستنياكي. بعد ما خرجت من المطار، لقيت بنتي دينا واقفة مستنياني عند البوابة. أول ما شافتني جريت عليا وحضنتني.
وحشتيني يا ماما! كنت خايفة عليكي من السفر لوحدك. ضحكت وقلتلها
أنا بقيت ست كبيرة يا بنتي، بس لسه بعرف أسافر وأتصرف. خدت شنطتي وسألتني
مالك يا ماما؟ شكلك متوترة. حصل حاجة في الطيارة؟حكيتلها كل اللي حصل من أول رجل نادية اللي كانت على مسند إيدي، لحد ما الأمن أخدها بعد الهبوط.
دينا كانت بتسمعني بتركيز، ولما خلصت قالت
يا ماما، إنتي مش غلطانة إنك دافعتي عن نفسك. بس المرة الجاية بلاش أي حركات هدفها إحراج الشخص التاني، حتى لو هو غلطان. بصتلها وقلتلها
عندك حق. أنا كنت متضايقة جدًا، وبدل ما أكتفي إني أطلب مساعدة المضيفة، فكرت إني أحرجها قدام الناس.
دينا ابتسمت. المهم إنك بخير، وإن الرحلة عدت على خير. رجعنا البيت، وقعدنا نتعشى ونتكلم عن أخبار العيلة. لكن رغم محاولتي أنسى الموضوع، صورة نادية وهي بتقول لي «ادعيلي» ما كانتش بتفارق خيالي. تاني يوم الصبح، كنت قاعدة بشرب القهوة مع دينا، وفجأة لقيتها بتنده عليا من أوضتها.
ماما! تعالي شوفي الخبر ده!دخلت عليها، لقيتها فاتحة موقع إخباري على الموبايل. كانت فيه صورة لست قاعدة في مكتب، وتحتها عنوان عن التحقيق في قضية احتيال مالي كبيرة مرتبطة بإحدى شركات التوريدات. دينا قالت
بصي يا ماما، مش دي الست اللي حكيتيلي عنها؟
قربت من الشاشة. قلبي دق بسرعة. كانت نادية فعلًا. قرأت الخبر بتركيز، واكتشفت إن نادية كانت مديرة حسابات سابقة في شركة كبيرة، وإن فيه تحقيقات بخصوص تحويلات مالية مشبوهة تمت خلال فترة عملها. لكن الخبر وضح كمان إن التحقيق لسه مستمر، وإنها لم تصدر ضدها إدانة قضائية.
قلت لدينا
يا نهار أبيض! يعني الموضوع ده كان سبب كل التوتر اللي كانت فيه. دينا ردت
غالبًا، بس ما ينفعش نحكم عليها من خبر. ممكن تكون متورطة وممكن يكون فيه تفاصيل تانية لسه ما ظهرتش. هزيت راسي. عندك حق.
وقتها فهمت إن اللي حصل في الطيارة ما كانش مجرد موقف مضحك، وإن تصرفاتها المستفزة يمكن كانت جزء من حالة ضغط كبيرة بتمر بيها، حتى لو ده ما يبررش إنها تهين غيرها. لكن الحكاية ما انتهتش عند الخبر ده.
بعد تلات أيام، وأنا قاعدة مع دينا، جالي اتصال من رقم غريب. رديت. ألو؟جالي صوت ست هادي. مساء الخير يا مدام مريم، أنا نادية عبدالسلام. مش عارفة إذا كنتي هتقبلي تسمعيني ولا لأ، بس كان لازم أكلمك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.