لكن الزيارة التالتة كانت أغرب.
لما دخلت المطبخ أجيب كباية مية، لقيت سلمى واقفة بتتكلم في التليفون، وأول ما شافتني سكتت بسرعة.
سمعتها قبل ما أدخل بتقول:
«أيوه يا ماما، هي جاية النهارده كمان… متقلقيش، أنا عارفة هتصرف إزاي».
ولما شافتني، قفلت المكالمة وقالت:
«محتاجة حاجة يا ماما؟»
قولتلها:
«لا يا بنتي، كنت جاية أشرب شوية مية».
ابتسمت، وعدت من جنبي، لكن وأنا خارجة من المطبخ سمعتها بتقول بصوت واطي:
«لسه فاكرة إنها هتفضل مش فاهمة».
وقفت مكاني.
مين اللي مش فاهمة؟ وإيه اللي لسه فاكره؟
كنت هارجع وأسألها، لكن كريم ناداني من الصالة، فرجعت وأنا بحاول أقنع نفسي إني يمكن سمعت غلط.
عدت الأيام، وبقيت كل ما كريم يعزمني أحس إني مترددة.
مش عشان مش عايزة أشوف ابني، بالعكس، ده أنا كنت بستنى مكالمته من الصبح.
لكن فكرة إني أروح بيت ابني وأقعد على سفرة أحس فيها إني أقل من كل اللي قاعدين، كانت بتوجعني.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع بنتي الكبيرة، حكيتلها اللي بيحصل.
بصتلي باستغراب وقالت:
«طبق فوم إيه يا ماما؟ هو إنتِ سألتيها ليه؟»
قولتلها:
«لا، ومش عايزة أحرج أخوكي. لسه متجوزين جديد».
قالتلي:
«طب ما يمكن عندها سبب، بس برضه لازم تفهمي منها».
كنت لسه هرد عليها، لكن تليفوني رن.
كانت سلمى.
قالت بصوت هادي:
«إزيك يا ماما؟ عاملة إيه؟ إحنا عاملين بكرة غدا، ونفسي تيجي».
استغربت إصرارها، وقلت لها:
«حاضر يا بنتي، إن شاء الله».
وقبل ما تقفل، قالت جملة خلتني أفضل أفكر فيها طول الليل:
«وعلى فكرة يا ماما، بكرة نفسي نقعد إحنا الاتنين شوية بعد الغدا، عشان في موضوع قديم محتاجة أتكلم معاكي فيه».
قولتلها:
«موضوع إيه يا بنتي؟»
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«هتعرفي بكرة».
وقفلنا.
فضلت طول الليل أفكر.
موضوع قديم إيه اللي سلمى عايزة تكلمني فيه؟
هي تعرف عني حاجة أنا مش عارفاها؟
ولا الموضوع له علاقة بمرات ابني ومعاملتها ليا؟
تاني يوم، لبست أحسن هدومي، وأخدت معايا علبة حلويات، وروحت بيت كريم.
أول ما دخلت، سلمى استقبلتني، وسلمت عليا، وبعدين خدتني من إيدي وقالت:
«تعالي يا ماما، اقعدي جنبي النهارده».
حسيت إني اتبسطت، وقلت يمكن أخيرًا هتتغير معاملتها.
كنا قاعدين على السفرة، وكان موجود كريم، وسلمى، وأمها، وأختها.
ولما جه وقت الأكل، قلبي وقع في رجلي.
نفس طبق الفوم.
نفس الشوكة والمعلقة البلاستيك.
لكن المرة دي، سلمى بنفسها حطت الطبق قدامي، وقعدت تبصلي من غير ما تتكلم.
أنا مسكت الشوكة، وبعدين حطيتها على السفرة.
وبصيت لها وقلت بهدوء:
«معلش يا سلمى، ممكن أسألك سؤال؟»
قالت:
«اتفضلي يا ماما».
قولتلها:
«هو أنا ليه كل مرة باجي عندكم باكل في طبق فوم، وإنتوا كلكم بتاكلوا في أطباق صيني؟ هو أنا عملت حاجة ضايقتك من غير ما أعرف؟»
كريم رفع عينه من طبقه، وبص لمراته باستغراب.
أم سلمى سابت المعلقة من إيدها.
وأختها اللي كانت بتضحك من شوية، سكتت فجأة.
أما سلمى، ففضلت باصة لي شوية، وبعدين قالت:
«لأ يا ماما، إنتِ ما عملتيش حاجة دلوقتي».
الجملة دي وقعت على قلبي زي الحجر.
دلوقتي؟
يعني إيه دلوقتي؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.