قبل ما أسألها، كريم قال بانفعال:
«يعني إيه يا سلمى؟ هو فيه إيه؟ ماما بتسألك سؤال واضح!»
سلمى بصتله وقالت:
«مش كل حاجة ينفع تتقال قدام الناس يا كريم».
وبعدين قامت من مكانها، ودخلت أوضة النوم.
كريم قام وراها، وأمها فضلت باصة في الطبق، وأختها قامت دخلت المطبخ.
وأنا قاعدة لوحدي على السفرة، قدامي طبق الفوم اللي كنت فاكرة إنه مجرد إهانة صغيرة، لكن فجأة حسيت إنه بقى علامة على حاجة أكبر بكتير.
بعد حوالي عشر دقايق، كريم رجع ومعاه سلمى.
وشها كان شاحب، وعينيها حمرا من العياط.
قعدت قدامي، وطلعت من درج السفرة ظرف بني قديم، وحطته بيني وبينها.
وقالت:
«قبل ما تحكمي عليا، لازم تشوفي اللي جواه».
بصيت للظرف، وبعدين بصيت لكريم.
كان واقف مش فاهم حاجة، وبيقول:
«هو فيه إيه يا سلمى؟ إنتِ مخبية عني إيه؟»
لكنها مردتش عليه.
فتحت الظرف بإيد بتترعش، وطلعت منه صورة قديمة، وورقة مكتوبة بخط إيد، وإيصال أصفر لونه باهت من الزمن.
أول ما عيني وقعت على الصورة، حسيت إن الدم انسحب من وشي.
الصورة كانت ليا.
أنا، من أكتر من خمسة وعشرين سنة، واقفة قدام بيت قديم، وجنبي ست شابة شايلة طفلة صغيرة.
الست دي كانت اسمها منى.
منى اللي كانت بتشتغل عندي زمان.
منى اللي اختفت من حياتي فجأة، ومن يومها وأنا ما سمعتش عنها أي خبر.
رفعت عيني لسلمى، وقلت بصوت متقطع:
«إنتِ جبتي الصورة دي منين؟»
سلمى مسحت دموعها وقالت:
«دي صورة أمي… وأنا البنت اللي في حضنها».
حسيت إن الكرسي بيتحرك من تحتي.
بصيت لأم سلمى اللي كانت قاعدة على الناحية التانية من السفرة. ملامحها اتغيرت عن زمان؛ سنين الشغل والتعب كبرت وشها، وشعرها اللي كان أسود بقى أغلبه أبيض، عشان كده ما عرفتهاش من أول نظرة.
لكنها غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط.
كريم بصلي وقال:
«ماما، إنتِ تعرفي أم سلمى من زمان؟»
ما قدرتش أرد.
لأن عقلي رجع بيا لليوم اللي منى اختفت فيه من بيتنا، ولليلة اللي اكتشفت فيها إن علبة دهبي مش موجودة.
يومها كنت متأكدة إن منى هي اللي أخدتها.
اتصلت بيها، ولما مردتش، روحت بيتها، ولقيت البيت فاضي، والجيران قالولي إنها مشيت هي وبنتها.
أنا يومها اعتبرت إن ده دليل على إنها كانت غلطانة.
ومع مرور السنين، نسيت الموضوع، أو يمكن أقنعت نفسي إني نسيته.
لكن سلمى كانت بتبصلي دلوقتي بنفس النظرة اللي كانت بتبصلي بيها من أول زيارة.
نظرة واحدة عارفة حاجة أنا مش عايزاها تظهر.
قولتلها بصوت مخنوق:
«أمك أخدت دهبي ومشيت. أنا مش هكدب عليكي».
سلمى هزت راسها ببطء، وفتحت الورقة القديمة.
وقالت:
«أمي ما أخدتش دهبك يا طنط نادية».
وبعدين دفعت الورقة ناحيتي.
«دي الورقة اللي إنتِ كتبتيها بإيدك يوم ما حصل الخلاف بينك وبين أمي».
بصيت للورقة، ولقيت خط إيدي فعلًا.
لكن اللي كان مكتوب فيها خلاني أتجمد مكاني.
كانت ورقة بخط إيدي بتثبت إني استلمت من منى مبلغًا ماليًا، مقابل إنها سابت شغلها عندي، وإنها مش مطالبة بأي مستحقات تانية.
المبلغ كان كبير بالنسبة لوقتها.
لكن أنا عمري ما افتكرت إني دفعتلها فلوس.
قلت بذهول:
«الورقة دي ممكن تكون مش صحيحة!»
سلمى ردت بهدوء موجع:
«كنت عارفة إنك هتقولي كده».
وبعدين طلعت الإيصال الأصفر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.