مريم بدأت إجراءات قانونية لحماية ملكيتها، وراجعت كل أوراقها وحساباتها، وغيّرت كلمات المرور الخاصة بحساباتها المالية، واحتفظت بكل الرسائل والمستندات اللي ممكن تحتاجها. أما أحمد، فاضطر يواجه ديونه بنفسه، ويتحمل نتيجة الوعود اللي قطعها للناس من غير ما يكون عنده القدرة على الوفاء بيها.وبعد فترة، مريم قررت إنها مش هتكمل حياتها الزوجية بالشكل القديم، وبدأت إجراءات الانفصال.
ما كانش قرار سهل، لكنها كانت عارفة إن الاستمرار في علاقة فقدت فيها الأمان والثقة هيكلفها أكتر بكتير. وبعد شهور، راحت مريم تزور بيت جدتها. فتحت الباب الخشبي القديم، ودخلت وسط ريحة التراب والخشب والذكريات.
وقفت في البلكونة اللي كانت جدتها بتحب تقعد فيها، وبصت لشجر الفاكهة اللي بدأ يزهر من جديد. افتكرت أيام طفولتها، وصوت جدتها وهي بتقول لها دايمًا:
«يا مريم، حافظي على نفسك وعلى حقك، وما تخليش خوفك من زعل الناس يخليكي تضيعي نفسك.
»
ابتسمت وسط دموعها. كانت فاكرة زمان إن الحفاظ على البيت معناه إنها تحافظ على كل حاجة زي ما هي. لكنها فهمت دلوقتي إن فيه حاجات لازم تتغير، وإن البيت مش مجرد جدران وذكريات، وإن الأمان الحقيقي بيبدأ لما الإنسان يعرف قيمة نفسه.
قررت تصلح البيت بدل ما تبيعه، وتحول جزء منه لمكان صغير تستقبل فيه الأطفال في أنشطة قراءة ورسم في الإجازات، تكريمًا لذكرى جدتها اللي كانت بتحب تساعد الصغيرين وتعلمهم. ومع الوقت، بدأت حياتها تستقر من جديد.رجعت تركز في شغلها، واهتمت بنفسها، وقربت أكتر من نجلاء، وبقت تعرف تقول «لأ» من غير ما تحس إنها إنسانة سيئة.
أما السلسلة، فاحتفظت بيها داخل كيس منفصل، وسلمتها للجهة المختصة لما احتاجت توثق حالتها، بدل ما تحتفظ بيها وسط حاجاتها الشخصية.
وفي يوم، وهي قاعدة في البلكونة، رن موبايلها برسالة من رقم ما تعرفوش. فتحتها، ولقت رسالة قصيرة:
«أتمنى تكوني بخير يا مريم. أنا آسف على كل حاجة.»
عرفت إن الرسالة من أحمد. فضلت باصة للشاشة شوية، وبعدها قفلت الموبايل من غير ما ترد.ما كانتش بتتمنى له الشر، لكنها ما بقتش مسؤولة عن إنقاذه من كل نتيجة هو تسبب فيها.
رفعت عينيها للسما، وأخدت نفس عميق. لأول مرة من سنين، كانت قاعدة في مكانها المفضل من غير ما تقلق من فاتورة، أو دين، أو مشروع جديد، أو وعد مش هيتنفذ. كانت حرة.
والغريب إن كل ده بدأ يوم ما تنازلت عن كرسيها لست كبيرة في الأتوبيس. الست دي ما كانتش ساحرة، ولا عندها قدرة تعرف المستقبل. كانت مجرد إنسانة لاحظت حاجة مريبة، وقررت تحذر واحدة غريبة عنها.لكن مريم هي اللي اختارت إنها تسمع، وتفكر، وتتحقق، وما تسمحش لحد إنه يقنعها إن الشك في التصرفات الغريبة خيانة.
وعرفت إن مش كل خطر بييجي في صورة عدو واضح، وإن ساعات أكبر خطر بيكون مستخبي ورا ابتسامة شخص بنحبه، وكلمة «أنا بعمل كل ده علشانك».
ومن يومها، كل ما تفتكر السلسلة، ما تفتكرش لون الميه اللي اتغير، ولا الخوف اللي عاشته في الأيام دي. تفتكر اللحظة اللي قررت فيها إنها مش هتتنازل عن حقها، ولا عن عقلها، ولا عن نفسها، مهما كان الشخص اللي قدامها.
لأن أغلى حاجة ممكن الإنسان يخسرها مش فلوسه ولا بيته… لكن إحساسه بالأمان وهو عايش مع الشخص اللي المفروض يكون مصدر الأمان ليه. روايات_مشيره_محمد
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.