أنا كنت فاكرة إنك بتعملي الحاجات دي علشان إنتِ أختي الكبيرة. بنتي بصتلها وقالت:
ـ إنتِ ما كنتيش مسؤولة عن اللي حصل يا مريم. إحنا كنا صغيرين، والكبار هما اللي كان لازم يفهمونا الصح من الغلط. مريم قربت منها وحضنتها، وبنتي بادلتها الحضن.وأنا كنت واقف بعيد، بتفرج عليهم ودموعي في عيني.
لأول مرة من سنين، حسيت إن فيه حاجة بتتصلح في العيلة دي. مش كل حاجة، ومش بسرعة، لكن فيه أمل. بعد سنة تقريبًا، بنتي نجحت في امتحاناتها بتقدير كويس، وقدرت تثبت نفسها في شغلها، وبدأت تخطط لمستقبلها من جديد.
وفي يوم، اتصلت بيا وقالت:
ـ يا بابا، أنا عايزاك تيجي معايا مشوار. فرحت جدًا، وقلت:
ـ طبعًا يا بنتي، في أي وقت. قابلتها، ولقينا نفسنا رايحين للجامعة. استغربت وسألتها:
ـ إحنا جايين هنا ليه؟ابتسمت وقالت:
ـ علشان أقدّم على تدريب في مجال دراستي.
أنا اتكلمت مع الدكتورة، وقالتلي إن فيه فرصة كويسة، وكنت عايزاك تبقى معايا النهارده. حسيت بسعادة ما حسيتهاش من سنين. بنتي ما كانتش بتطلب مني فلوس، ولا جاية تشكي من مشكلة. هي كانت بتشاركني حلمها. وقفت جنبها لحد ما خلصت الإجراءات، ولما خرجنا، قلت لها:
ـ أنا فخور بيكي يا بنتي. ابتسمت وقالت:
ـ شكرًا يا بابا. وبعدها سكتت شوية، وقالت:
ـ عارف يا بابا، زمان كنت بتمنى إنك تيجي معايا المدرسة، أو تحضرلي يوم تكريمي، أو حتى تسألني يومي كان عامل إزاي. كنت بحس إنك مشغول عني طول الوقت.
نزلت عيني، وقلت:
ـ أنا ضيعت لحظات كتير يا بنتي، ومش هقدر أرجعها. قالت:
ـ عارفه. بس يمكن نقدر نعمل لحظات جديدة، أحسن من اللي فات. الجملة دي كانت أول مرة أحس فيها إن بنتي بدأت تفتحلي باب صغير للأمل. ما قالتش إنها نسيت، ولا إنها سامحتني على كل حاجة.
لكنها قالت إن فيه فرصة نبني حاجة جديدة. وده كان أكتر مما أستحقه. بعد فترة، أمينة قابلتني قدام البيت، وكانت لسه بتبصلي بنظرة فيها عتاب. وقفت قدامها وقلت:
ـ أنا عايز أشكرك يا أمينة. استغربت وقالت:
ـ تشكرني على إيه؟قلت لها:
ـ لأنك جيتيلي في الشغل وواجهتيني بالحقيقة.لو ما كنتيش عملتي كده، يمكن كنت فضلت عايش وأنا فاكر إن بنتي مجرد مسؤولية خلصت منها. أمينة ردت بجدية:
ـ أنا ما عملتش حاجة تستاهل الشكر. أنا عملت اللي كان لازم يتعمل من زمان.
بس خلي بالك يا حسام، مش كل الناس اللي بتتظلم بتلاقي حد يتكلم عنها، ومش كل بنت بتقدر تبدأ من جديد بعد ما أهلها يتخلوا عنها. هزيت راسي، وقلت:
ـ عندك حق. كملت كلامها:
ـ بنتك قوية، بس ده مش معناه إنك تفتكر إنها مش محتاجة حد.
هي محتاجة أب، حتى لو كبرت، وحتى لو اتجوزت، وحتى لو بقت قادرة تصرف على نفسها. الأبوة مش مصروف وأكل ولبس، الأبوة أمان. الكلمة دي فضلت ترن في ودني. الأبوة أمان. وأنا كنت أكتر واحد حرمت بنتي من الأمان.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.