في البداية، كانت بتتعامل معايا بحذر شديد. لو اتصلت بيها، ترد وتسألني عن سبب المكالمة، ولو عرضت عليها أساعدها، كانت تشكرني وترفض أحيانًا. ما كنتش بزعل منها. كنت عارف إن الثقة اللي ضيعتها في سنين، مش هترجع في أسبوع.
وفي يوم، رحت لها من غير ما أبلغها، ومعايا بعض الكتب اللي كانت محتاجاها. فتحت الباب، ولما شافتني، قالت:
ـ خير يا بابا؟ حصل حاجة؟ابتسمت بحزن وقلت:
ـ لأ يا بنتي، أنا بس جاي أطمن عليكي.
دخلتني، وقعدتني في الصالة الصغيرة. كانت الشقة بسيطة، لكن مرتبة ونظيفة، وعلى الترابيزة كان فيه كشكول مفتوح، وكتاب من كتب الجامعة. بصيت حواليّا، وقلت:
ـ المكان جميل يا بنتي. ابتسمت وقالت:
ـ الحمد لله. أنا مرتاحة هنا.الجملة دي فرحتني ووجعتني في نفس الوقت.
فرحت لأنها بدأت تحس بالأمان، ووجعتني لأن بنتي لقت الراحة في شقة صغيرة لوحدها، بعد ما كانت محرومة من الراحة في بيت أبوها. قبل ما أمشي، سألتها:
ـ محتاجة أي حاجة يا حبيبتي؟فكرت شوية، وبعدها قالت:
ـ آه يا بابا، محتاجة منك حاجة واحدة. قلبي دق بسرعة. ـ قولي يا بنتي، أي حاجة. بصتلي في عيني وقالت:
ـ لو في يوم اتجوزت تاني، أو خلفت، أو حياتك اتغيرت، ما تخليش أي حد يخليني أحس إني غريبة عنك.أنا مش عايزاك تفضل تعوضني عن اللي فات طول عمرك، أنا بس عايزاك ما تكررش نفس الغلطة.
ما قدرتش أرد بسرعة. مديت إيدي ومسكت إيدها، والمرة دي ما سحبتهاش. قلت لها:
ـ أوعدك يا بنتي، إني عمري ما هسمح لنفسي أكرر اللي عملته معاكي.
وإنتِ مش محتاجة تثبتيلي إنك بنتي، أنا اللي محتاج أثبتلك إني أستاهل أكون أبوكي. دموعها نزلت، ودموعي نزلت معاها. لكنها ما حضنتنيش، وما قالتليش إنها سامحتني. وأنا ما طلبتش منها ده. كان كفاية إنها سمحتلي أقعد معاها، وإنها بدأت تتكلم من غير خوف.
عدت الشهور، وبنتي رجعت الجامعة، وبدأت تنجح في دراستها، وكمان استمرت في شغلها. أما أنا، فبدأت أراجع نفسي في كل حاجة. بقيت أشارك في تربية ابني، وأطلب من مريم تساعد في شغل البيت بما يناسب سنها، وأفهمها إن أختها ما كانتش خدامة ليها، وإن مسؤولية البيت مسؤولية كل اللي عايشين فيه.
في البداية، سلوى ما تقبلتش التغيير، وحاولت كذا مرة ترجعني لطريقتي القديمة. لكن لما لقتني مصمم، بدأت تفهم إن بنتي مش هتفضل الشخص اللي سهل نضغط عليه علشان نرضي غيره. ومع الوقت، مريم نفسها بدأت تتغير. في يوم، راحت معايا نزور أختها، وكانت شايلة معاها علبة حلوى.
أول ما دخلت، قالت لها:
ـ إزيك يا أختي؟ أنا جبتلك حاجة. بنتي ابتسمت، وقالت:
ـ الله، شكرًا يا مريم. مريم فضلت واقفة شوية، وبعدها قالت بصوت متردد:
ـ أنا عارفة إني كنت بتعبك كتير زمان، بس أنا ما كنتش فاهمة إن ده غلط.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.