أما بنتي، فكانت قاعدة على رصيف بعيد عن البيت، بتبص للتليفون وبتعيط. كانت باعتالي رسالة قصيرة:
«يا بابا، أنا محتاجاك. مش عايزة منك فلوس ولا أي حاجة، أنا بس محتاجة أحس إن ليا أب.»
لكن الرسالة فضلت من غير رد.أمينة كانت ساكنة في الشارع اللي جنب بيت حماتي، وكانت تعرف بنتي من وهي صغيرة.
وبعد ما بنتي اتطردت، شافتها بالصدفة قاعدة قدام صيدلية، ووشها شاحب وهدومها متبهدلة. قربت منها وسألتها:
ـ يا حبيبتي، إنتِ قاعدة هنا ليه؟ ومالك بتعيطي كده؟بنتي حاولت تمسح دموعها بسرعة، وقالت:
ـ مفيش يا طنط، أنا كويسة. أمينة قعدت جنبها، وقالت:
ـ أنا أعرفك من وإنتِ عيلة صغيرة، وما ينفعش تقوليلي إنك كويسة وإنتِ بالشكل ده. حصل إيه؟ساعتها بنتي انهارت في العياط. حكتلها إن جوزها طردها، وإنها حاولت تتصل بيا، لكني ما رديتش عليها.
أمينة حضنتها وقالت:
ـ طب تعالي معايا يا بنتي، ما ينفعش تفضلي قاعدة في الشارع كده. بنتي هزت راسها بالرفض. ـ مش عايزة أتعبك يا طنط. أنا هتصرف. ـ تتصرفي إزاي؟ إنتِ مالكيش مكان تروحيه!سكتت بنتي شوية، وبعدها قالت:
ـ هروح عند حماتي.
يمكن تسمعني وتخليني أقعد عندها كام يوم، لحد ما أشوف هعمل إيه. أمينة استغربت وقالت:
ـ عند حماتك؟ بعد كل اللي ابنها عمله فيكي؟ردت بنتي بحزن:
ـ أهو أرحم من إني أرجع لأبويا وأسمع منه إني استاهل اللي حصل لي.
الجملة دي، لما أمينة حكتها لي بعد كده، حسيت كأن حد ضربني على صدري. بنتي كانت شايفة إن بيت حماتها أأمن لها من بيت أبوها!البنت اللي أنا ربيتها بإيدي، واللي كان المفروض تحس إن الدنيا كلها ممكن تقفل أبوابها في وشها إلا بابي، كانت خايفة ترجعلي أكتر من خوفها من الشارع.
راحت بنتي لحماتها، الست فوزية، ووقفت قدام بابها وهي مش قادرة ترفع إيديها وتخبط. لما الباب اتفتح، فوزية اتصدمت من شكلها. ـ يا بنتي! إيه اللي عمل فيكي كده؟! وإيه الشنطة اللي معاكي دي؟بنتي نزلت عينيها وقالت:
ـ أحمد طردني يا ماما، وقال إنه هيتجوز واحدة تانية.
وأنا... أنا ما عنديش مكان أروح له. فوزية حطت إيدها على قلبها، وقالت:
ـ يا نهار أسود! ابني عمل كده؟! طب تعالي ادخلي يا بنتي. بنتي دخلت، وأول ما قعدت على الكنبة، انهارت في العياط.
فوزية قعدت جنبها وفضلت تهديها، وبعد شوية سألتها:
ـ طب أبوكي فين؟ ما كلمتيهوش؟بنتي ابتسمت ابتسامة موجوعة، وقالت:
ـ كلمته يا ماما، بس مردش عليّا. وبعتله رسالة، وما ردش برضه. فوزية ما قدرتش تمسك نفسها، وقالت بغضب:
ـ يعني جوزك رماكي، وأبوكي كمان رماكي؟! هو إيه اللي بيحصل في الدنيا دي؟
! إزاي أب يعمل في بنته كده؟بنتي ما ردتش، وفضلت باصة للأرض. وبعد دقائق، قالت بصوت مبحوح:
ـ يمكن أنا فعلًا ماليش حد يا ماما. فوزية مسكت إيدها بقوة. ـ لأ يا بنتي، إنتِ ليكي ربنا، وطول ما إنتِ عايشة، لسه فيه أمل.
وبعدين أنا مش هسيبك في الشارع. إنتِ هتفضلي هنا لحد ما ربنا يفرجها. لكن المشكلة إن فوزية نفسها كانت ست كبيرة، وعايشة في شقة صغيرة، وابنها كان بيصرف عليها، وبعد ما عرف إن أمه استقبلت مراته، هددها إنه هيقطع عنها المصروف. ومع ذلك، الست رفضت تطرد بنتي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.