في ليلة من الليالي، كنت قاعد لوحدي في الصالة، ومراتي والأولاد نايمين. طلعت صورة قديمة لبنتي، كانت واقفة فيها جنبي وهي صغيرة، لابسة فستان المدرسة، وماسكة شهادة تقدير. افتكرت اليوم ده. كانت جريت عليّا وهي فرحانة، وقالت:
ـ بابا، أنا طلعت من الأوائل!وقتها كنت مشغول بمكالمة شغل، فقلت لها:
ـ حلو يا بنتي، روحي ذاكري بقى. ما رفعتش عيني حتى أشوف الشهادة. افتكرت اللحظة دي، وحسيت إن دموعي مش هتخلص. أنا ما ظلمتش بنتي لما جوزتها لراجل مش مناسب وبس. أنا ظلمتها من أول مرة خليتها تحس إن حب أبوها مش مضمون، وإن لازم تتعب وتخدم وتطيع علشان تستحق مكانها في البيت.
ظلمتها كل مرة قارنتها بمريم، وكل مرة فضلت راحة مراتي على وجع بنتي، وكل مرة سمعت فيها شكواها وقررت أتجاهلها. والأصعب إني كنت فاكر نفسي أب كويس. كنت بصرف على البيت، وبشتغل، وبجيب طلبات الأولاد، وكنت بعتبر ده كفاية.لكن دلوقتي فهمت إن البنت ممكن تعيش في بيت مليان أكل وهدوم، ومع ذلك تبقى جعانة للحب، ومحرومة من الأمان، ووحيدة وسط أهلها.
وفي يوم، بنتي جت تزورني. أول ما دخلت البيت، حسيت إني رجعت بالزمن، لكن المرة دي ما طلبتش منها تعمل حاجة، ولا سألتها جاية ليه.
استقبلتها بنفسي، وقلت لها:
ـ نورتي بيتك يا بنتي. بصتلي لحظة، وبعدها ابتسمت ابتسامة هادية. ـ البيت منور بأهله يا بابا. دخلت وقعدت معانا، ومريم جابت لها العصير، وابني الصغير قعد جنبها يسألها عن الجامعة والشغل. كنت بتفرج عليهم وأنا حاسس بفرحة كبيرة.بعد ما خلصت الزيارة، خرجت أوصلها لباب البيت.
وقبل ما تمشي، قلت لها:
ـ يا بنتي، أنا عارف إن مهما عملت، مش هقدر أعوضك عن كل اللي فات. بس عايزك تعرفي إنك عمرك ما كنتِ عبء عليّا. إنتِ كنتِ نعمة، وأنا اللي ما عرفتش قيمتها.
بنتي عينيها دمعت، وقالت:
ـ أنا كنت محتاجة أسمع منك الكلام ده من زمان يا بابا. قلت لها:
ـ حقك عليّا. سكتت لحظة، وبعدها قالت:
ـ أنا مش قادرة أقول إني نسيت كل حاجة، لكني بدأت أصدق إنك فعلًا بتحاول تتغير. هزيت راسي، وقلت:
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.