قالت لابنها في التليفون:
ـ دي مراتك يا أحمد، وحتى لو إنت طلقتها، دي بني آدمة وليها حق عليك. وأنا مش هطردها في الشارع علشان ترضي جوازتك الجديدة. رد عليها بعصبية:
ـ يبقى إنتِ اللي تصرفي عليها! أنا مش مسؤول عنها.
فوزية قالت له:
ـ ربنا يهديك يا ابني، ويوريك نتيجة اللي بتعمله. وقفل في وشها. ومن اليوم ده، بدأت المشاكل بين فوزية وابنها، لكن الست فضلت واقفة جنب بنتي. بنتي ما كانتش عايزة تبقى عبء على حد، فبدأت تدور على شغل.كانت بتحاول تكمل تعليمها، لكن جوزها كان منعها من الجامعة، وبعد ما طردها، ما كانش معاها حتى أوراقها كلها.
راحت الجامعة مرة علشان تسأل عن إمكانية رجوعها للدراسة، لكنها اكتشفت إن فيه إجراءات ومصاريف متأخرة لازم تتصرف فيها. رجعت البيت وهي محبطة، لكن أمينة لما عرفت، قالت لها:
ـ إنتِ لسه صغيرة يا بنتي، ومستقبلك ما ينفعش يضيع علشان واحد ظلمك. ردت بنتي:
ـ أنا مش عارفة أعمل إيه يا طنط. أنا محتاجة شغل، ومحتاجة فلوس، ومحتاجة أكمل دراستي، وكل حاجة واقفة في وشي. أمينة كانت تعرف صاحبة محل ملابس في وسط البلد، فرشحتها تشتغل عندها.
بدأت بنتي تشتغل من الصبح لحد بالليل، وتقف بالساعات، وترجع البيت مرهقة لدرجة إنها ساعات كانت تنام من غير ما تتعشى. ومع الوقت، بقت أحسن شوية، وبدأت تجمع فلوس بسيطة علشان تدفع مصاريف الجامعة. لكنها كانت بتخبي تعبها عن فوزية، لأنها ما كانتش عايزة الست الكبيرة تقلق عليها.
وفي يوم، وهي في الشغل، وقعت منها شوية هدوم على الأرض، ولما انحنت تلمها، حسّت بدوخة شديدة. مسكت طرف الترابيزة علشان ما تقعش، لكن صاحبة المحل لاحظت وشها الشاحب. ـ مالك يا بنتي؟ إنتِ كويسة؟ردت بسرعة:
ـ أيوه يا هانم، بس ما أكلتش كويس النهارده. صاحبة المحل قالت لها:
ـ إنتِ بقالك كام يوم وشك أصفر. روحي اقعدي شوية. لكن بنتي أصرت تكمل الشغل، لأنها كانت خايفة تخسر مصدر رزقها الوحيد. وفي آخر اليوم، وهي خارجة من المحل، الدنيا لفت بيها، ووقعت على الأرض. زمايلها اتلموا حواليها، وحد منهم اتصل بالإسعاف، واتنقلت للمستشفى.
هناك، الدكتور قال إنها محتاجة فحوصات وراحة، وإنها لازم تهتم بأكلها وصحتها. أمينة كانت أول واحدة عرفت، وراحت المستشفى فورًا. لما شافت بنتي على السرير، إيديها فيها المحلول ووشها مرهق، عيطت من قلبها. بنتي فتحت عينيها، ولما شافتها، قالت:
ـ طنط أمينة، أنا آسفة إني قلقتك.
أمينة مسكت إيدها وقالت:
ـ إنتِ بتعتذري لي أنا؟! يا بنتي إنتِ محتاجة حد يقف جنبك، مش محتاجة تعتذري لحد. بنتي بصت للسقف، وقالت بصوت واطي:
ـ أنا بس كنت نفسي بابا يكون هنا. أمينة ما قدرتش ترد.
لأنها كانت عارفة إن الأب اللي بنتي بتتمناه، قاعد في بيته، ومشغول بحياته الجديدة، ولا يعرف إن بنته بين الحياة والتعب على سرير مستشفى. لما أمينة خلصت الحكاية، كنت واقف قدامها مش قادر أتكلم. كل كلمة قالتها كانت بتكشفلي جزءًا من الحقيقة اللي كنت بهرب منها سنين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.