يمكن لأول مرة في حياتك تسمع حكايتها من غير ما تقاطعها، ومن غير ما تبرر لنفسك ظلمك ليها. وساعتها بدأت تحكي. بعد ما جوز بنتي طردها من بيته علشان يتجوز واحدة تانية، بنتي ما كانش معاها مكان تروح له.كانت واقفة قدام باب الشقة بشنطة هدوم صغيرة، وبتبص للراجل اللي كانت فاكرة إنه هيبقى سندها في الدنيا.
قالت له وهي بتترجاه:
ـ يا أحمد، والنبي استنى شوية. أنا هروح فين دلوقتي؟ إنت عارف إن أبويا مش هيقبل إني أرجع بيته، حتى لو رجعت أموت قدام بابه!
رد عليها ببرود:
ـ وأنا مالي؟ أنا قلتلك من زمان إن الجوازة دي مش نافعة، وإنتِ اللي كنتِ لازقة فيا. بصتله بعدم تصديق، وقالت:
ـ أنا اللي كنت لازقة فيك؟! هو إنت نسيت إنك إنت اللي اتقدمتلي؟ وإنك إنت اللي وعدتني إنك هتصوني وتحافظ عليّا؟ضحك باستهزاء، وقال:
ـ الكلام ده كان زمان. دلوقتي أنا هتجوز واحدة تانية، ومش عايز وجع دماغ. خدي حاجتك وامشي. وقفل الباب في وشها. وقفت بنتي قدام الباب لدقايق طويلة، يمكن كانت مستنية إنه يفتح تاني ويقول لها إنه كان بيهزر، أو إنه ندم على اللي عمله. لكن الباب ما اتفتحش.
نزلت السلم وهي شايلة شنطتها، وكل درجة كانت بتنزلها كانت بتحس إنها بتخسر جزءًا جديدًا من حياتها. ما كانش معاها فلوس تكفيها حتى إنها تستأجر أوضة صغيرة، ولا كان عندها حد تقدر تلجأ له. افتكرتني.
افتكرت بيتها القديم، وأوضتها اللي كانت بتذاكر فيها، وريحة الأكل اللي كانت بتعمله أمها الله يرحمها، قبل ما البيت يتغير ويبقى مكان غريب عنها. افتكرت إني قلتلها يوم فرحها: «لو رجعتي البيت ده زعلانة، ما تلوميش غير نفسك».
وقتها كانت فاكرة إني قلت الكلام ده من العصبية، وإن قلبي مهما قسى عليها، مش هيسمحلي أسيبها في الشارع. لكنها كانت غلطانة. رفعت تليفونها واتصلت بيا. كنت وقتها قاعد في البيت، ومراتي الجديدة بتتكلم مع مريم عن فستان كانت عايزة تشتريه، وابني الصغير بيلعب في الصالة.
بصيت لشاشة التليفون، ولما لقيت اسم بنتي ظاهر، حسيت بضيق غريب. قلت لنفسي: أكيد رجعت تتخانق مع جوزها، أو عايزة فلوس، أو عايزة ترجع تعيش هنا. سيبت التليفون يرن لحد ما فصل. بعدها بدقايق، اتصلت تاني. مراتي بصتلي وسألتني:
ـ مين اللي بيتصل كل شوية؟
قلت لها:
ـ بنتي. ردت بفتور:
ـ يا سلام! هي لسه فاكرة إن ليها بيت هنا؟! يا حسام، إنت عارف إن رجوعها هيعمل مشاكل، ومريم مش هتقبل إن حد يشاركها أوضتها، والبيت أصلًا مش ناقص. بصيت لها، وقلت:
ـ أنا ما قلتش إني هرجعها.
ابتسمت وقالت:
ـ أهو كده. سيبها تتحمل نتيجة اختيارها، ما هي اللي أصرت تتجوز. وقتها، بدل ما أفتكر إن بنتي ما كانتش عايزة الجوازة أصلًا، وافقت مراتي على كلامها، وكملت يومي وكأن مفيش حاجة حصلت.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.